دور قطر لإيقاف آلة القتل الصهيونية.. أكاديميون ومحللون :

أشاد أكاديميون ومحللون سياسيون بالجهود التي تقوم بها دولة قطر لإيقاف العدوان الإسرائيلي على غزة، منوهين بأن للدبلوماسية القطرية رصيد من النجاحات البارزة في الوساطة بملفات دولية معقدة مما يعزّز الثقة في أي دور تقوم به للتهدئة والتوصل الى حلول عادلة في النزاعات. وأكدوا في حديثهم لـ «الوطن » أن قطر تستمد قوتها من أنها الجهة الوحيدة الموثوقة في هذا التفاوض؛ لأنها تحظى باحترام جميع الأطراف المعنية، ولا توجد دولة بالعالم ممكن أن تكون بديلا عن قطر في إتمام صفقات التبادل، سواء بخصوص المدنيين الموقوفين أو أسرى قوات الاحتلال.

جهود حثيثة

بداية يُشير الدكتور الحواس تقية، المشرف على وحدة الدراسات الخليجية، بمركز الجزيرة للدراسات، إن قطر تبذل جهودا حثيثة منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي على غزة لوقف الحرب. فلقد دعت قطر من اليوم الأول علنا إلى وقف الحرب ودعت دول العالم إلى رفض العدوان الإسرائيلي على غزة. لم تكتفِ بموقفها الفردي، بل شاركت في اجتماع الدول العربية والإسلامية إلى الدعوة لوقف الحرب، وكانت تحث على اتخاذ إجراءات تلزم إسرائيل بتطبيق القانون الدولي كدولة محتلة.

وأضاف: في مسار مواز، تتوسط قطر لعقد صفقة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل لإطلاق عدد من المدنيين الموقوفين وإعادتهم إلى ذويهم بالبلدين، وتحرص قطر على أن يتوقف القتال ولو مؤقتا لأيام كي تتمكن المقاومة من تحديد أماكن المدنيين الإسرائيليين الموقوفين، وجمعهم، ثم تسليمهم، وتكون هذه الأيام فرصة للفلسطينيين كي يلتقطوا أنفاسهم، ثم تكون سابقة تتكرر لإطلاق بقية الموقوفين، وهذا يعد نوعا من وقف الحرب ولو لفترات قصيرة، يفقد العدوان الإسرائيلي زخمه واندفاعته، لذلك أحدث صدعا في مجلس الحرب الإسرائيلي بين دعاة مواصلة الحرب دون القبول بهدن، ودعاة القبول بهدن من أجل إطلاق سراح الإسرائيليين الموقوفين. وخلال هذه الهدنات، تتضمن صفقة التبادل إدخال المساعدات الإنسانية للغزاويين مثل الأكل والدواء والبنزين وغيرها.

وقال د. تقية أن قطر تستمد قوتها من أنها الجهة الوحيدة الموثوقة في هذا التفاوض؛ لأنها تحظى باحترام جميع الأطراف المعنية، ولا توجد دولة بالعالم ممكن أن تكون بديلا عن قطر في إتمام صفقات التبادل سواء بخصوص المدنيين الموقوفين أو أسرى قوات الاحتلال. لذلك تكرر هذه الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة شكر قطر على دورها الإنساني. ولذلك تخشى هذه الدول استفزاز قطر لأنها قد تخسر القناة الوحيدة لعقد صفقة التبادل.

ومضى د. تقية في حديثه قائلا «لنوضح بمثال عن مدى حاجة دول العالم لقطر: يوجد موقوفون في غزة من مزدوجي الجنسية الأمريكية الإسرائيلية، وتعتبرهم الإدارة الأميركية أمريكيين في المقام الأول، ومن مسؤوليتها إعادتهم إلى الولايات المتحدة. ومن مصلحة الرئيس بايدن أن يحقق نجاحات بمساعدة قطر في هذا الملف حتى يدخل الانتخابات الرئاسية الوشيكة وقد أعاد جميع الموقوفين الأمريكيين، أما إذا أخفق بايدن في ذلك فإنه سيدفع ثمن الإخفاق تراجعا في أصوات الناخبين الأمريكيين وقد يساهم ذلك في تكبيده خسارة الانتخابات الرئاسية. تستطيع قطر إقناع الولايات المتحدة بأن من مصلحتها دعم مساعي وقف القتال حتى وإن كان مؤقتا، والتمهيد بذلك لوقفه نهائيا».

واختتم د. تقية حديثه قائلا: لا تقوم قطر بهذا الدور دون ضغط من القوى المتطرفة سواء في إسرائيل أو في الغرب التي تحرض على قطر وقيادتها لأنها تتحدث مع جميع الأطراف بما فيها المقاومة الفلسطينية، لكن القيادة القطرية تصدت لهذه الشيطنة التي تضر بالمساعي الإنسانية، وتصدى كذلك شركاء قطر في التصدي لهذه الشيطنة، فتكنت هذه المجهودات من تهميش هذه الأصوات المتطرفة ونزع المصداقية عن خطابها.

وساطة نشطة

ومن ناحيته يرى الدكتور لقاء مكي، باحث أول بمركز الجزيرة للدراسات، أن دور قطر تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة كان من أوائل الأدوار التي يمكن رصدها، فيما يتعلق تحديدا بقضيتين، القضية الأولى: رفض عمليات قتل المدنيين، والقصف الذي يتعرض له قطاع غزة، والدعوة لوقف إطلاق نار فوري، فهذا كان منذ الأيام الأولى للعدوان، والقضية الثانية: تمثلت في العمل الحثيث والوساطة النشطة لتبادل الرهائن والأسرى بين الطرفين، مبينا أن الجانب الأول ربما دول أخرى شاطرت قطر لاحقا بهذه الدعوة ولكن للأسف لم تنفذ بسبب إصرار إسرائيل على استمرار الحرب، ورفضها لأي دعوة لوقف إطلاق النار.

وقال د. مكي أما فيما يتعلق بالأمر الثاني، فإن قطر قامت حتى هذه اللحظة بأدوارٍ مهمة وجهد كبير من أجل الوصول لاتفاق بين الطرفين لإطلاق سراح مجموعة من الرهائن المدنيين المحتجزين لدى حركة حماس وكتائب القسام وفق صفقة معينة مقابل هدنة أو إيقاف مؤقت لإطلاق النار وكذلك إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وبالطبع غير معروف حتى الآن طبيعة أي صفقة محتملة أو طبيعة المشاورات التي تجري بين الأطراف، منوها بأنه في جميع الحالات الموقف القطري، تمكن أو على الأقل كان له نصيب مهم في انجاز خطوة باتجاه مساعدة أهلنا في قطاع غزة، سواء من ناحية استمرار الضغط من اجل اعلان هدن إنسانية، من أجل ادخال المعونات الإنسانية والسماح للفلسطينيين بالخروج من أماكن النزاع، كبديل مقبول نسبيا للهدف الأهم وهو وقف اطلاق النار الشامل.

محاور رئيسية

ومن جهته يوضح الدكتور شفيق شقير، الباحث بمركز الجزيرة للدراسات، أن الجهود القطرية لإيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ارتكزت على «4» محاور رئيسية تعتبر من الثوابت في السياسة القطرية تجاه القضية الفلسطينية، فالثابت الأول هو أن القضية الفلسطينية قضية عادلة ويجب على العرب أن يتمسكوا بهذه القضية وأن يقفوا إلى جانب الفلسطينيين، أما الثابت الثاني فهو تمسك قطر بحل الدولتين، باعتبار أن هذا الحل المتفق عليه عربيا في قمة بيروت العربية أو ما تسمى بالمبادرة العربية «الأرض مقابل السلام» وإقامة دولة فلسطينية على أرض «1967» عاصمتها القدس الشريف.

وقال د. شقير أن الأساس الثالث هو ربما قد يعد تفصيليا ولكن له أهمية، خاصة بشأن قطاع غزة، وهو الالتزام الثابت تجاه غزة التي تتعرض منذ عام «2007» لحصار خانق، وتقوم قطر بالتزام انساني لتقديم مساعدات وكافة الإعانات التي تساعد غزة على الاستمرار في المقاومة، بينما يتمثل الثابت الرابع وهو لمسناه في سياسة قطر خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ الربيع العربي أنها أرادات للقضية الفلسطينية أن تبقى في الدائرة العربية وألا تخرج منها بقدر الإمكان، وهذا ما حدث مع غزة على وجه الخصوص، فهذه الثوابت الأربعة انعكست على أداء الجهود التي تقوم بها قطر تجاه القضية الفلسطينية وفي دورها للوساطة لإيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ اندلاعه في شهر أكتوبر الماضي.

إيجاد الحلول

ومن جانبه يؤكد الدكتور وائل عبد العال، رئيس قسم الإعلام بجامعة قطر، أن دولة قطر قامت بدور هام وفعّال في إطار جهودها المكثفة لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. فمنذ اليوم الأول للهجوم على غزة بذلت جهودا دبلوماسية وإنسانية للمساهمة في إيجاد حلول وتحقيق وقف فوري لإطلاق النار وتبادل الأسرى والدخول في مسار سياسي لتحقيق الاستقرار في المنقطة.

وأضاف: مما يميز دور القيادة القطرية تواصلها الفعال مع مراكز التأثير الدولي ومواقفها الواضحة تجاه القضية الفلسطينية والأوضاع في الشرق الأوسط. وللدبلوماسية القطرية رصيد من النجاحات البارزة في الوساطة في ملفات دولية معقدة مما يعزز الثقة في أي دور تقوم به للتهدئة والتوصل الى حلول عادلة في النزاعات.

وتابع: فقد حققت الوساطة القطرية إطلاق سراح سيدتين إسرائيليتين من كبار السن لأسباب إنسانية، كما اضطلعت باتصالات مكثفة بين كل الأطراف لتحقيق وقف فوري وعاجل للحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل على غزة.

وقال د. عبد العال إقليميا ودوليا، كان لقطر دورٌ أساسي في تحشيد الدعم العربي والعالمي للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وتوحيد المواقف من أجل وقف العدوان وإدانة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل، بما في ذلك ارتكاب المجازر بحق المدنيين وخصوصا النساء والأطفال، واستهداف المنشئات المدنية وخصوصا المستشفيات، وأماكن اللجوء بما يمثل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

دور محوري

وبدوره أوضح الدكتور أديب زيادة، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قطر، أن قطر لعبت منذ السابع من أكتوبر دوراً محورياً في الصراع القائم على ارض غزة. فبينما حاولت منذ اليوم الأول أن توقف العدوان على القطاع مستثمرة في علاقتها مع الولايات المتحدة والغرب عموماً فقد أخذت على عاتقها أن تلعب دور الوسيط بين حركة حماس التي تستضيف مكتبها السياسي منذ سنوات عديدة وبين إسرائيل وبقية الدول التي يوجد لها أسرى لدى الحركة.

ونوه د. زيادة بأن الموقف القطري بدا واضحاً في إطار الزيارات المكوكية التي قامت بها الدبلوماسية الأمريكية من جانب كما في الحديث المتكرر بين حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد والرئيس الأمريكي بايدن حيث عبر الشيخ عن موقف بلاده من الأزمة مبرزاً حقيقة أن المشكلة ليست مرتبطة بالسابع من أكتوبر عندما عبرت حماس ما يسمى بغلاف غزة بل بوجود الاحتلال الإسرائيلي ذاته وغياب الأفق السياسي الذي يمكن أن يشكل بديلاً حقيقياً عن دوامة العنف في المنطقة. وأضاف: أما على صعيد الأسرى الإسرائيليين فإن دولة قطر تلعب الدور الأبرز على هذا الصعيد حيث غدت محجاً لكل من لديه أسرى عند حركة حماس في غزة. هذا الحراك الدبلوماسي واكبته على جانب آخر جهود كثيرة أيضاً على صعيد القمة العربية الإسلامية التي انعقدت في الرياض لضمان خروجها بالحد الأدنى المقبول على الشعوب العربية والإسلامية. وبالفعل توجه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ومعاونوه في زيارات هامة لدول عربية وازنة في محاولة للاتفاق على موقف قوي يوقف العدوان الا أن هذا التوجه وُوجِهَ ببرود من قبل العديد من الدول التي حضرت القمة مما قزم مخرجاتها الى الحد الذي رأينا.

وقال بالموازاة مع هذا الجانب كانت قطر ترسل طائرات المساعدات الى الشعب الفلسطيني في غزة عبر مطار العريش حيث كانت من أكثر الدول عطاء على هذا الصعيد إن لم تكن أكثرها على الإطلاق.

واختتم د. زيادة حديثه قائلا: يمكننا القول إن الدبلوماسية القطرية بذلت ولا زالت تبذل الجهود الحثيثة لتأمين وقف دائم للعدوان الإسرائيلي على غزة بالإضافة إلى تأمين صفقة تبادل مقبولة على الأطراف كلها. فكما نجحت في إطلاق بعض الأسرى الأميركيين والإسرائيليين لاعتبارات إنسانية فإنها تعمل كل ما من شأنه التخفيف عن الشعب الفلسطيني ووقف شلال الدم الجاري على أرض القطاع. اما فرص نجاح تلك الجهود فترتبط بعوامل ميدانية وسياسية دولية وإقليمية لا بد لها من ان تتضافر من أجل الوصول إلى نتيجة إيجابية توقف آلة القتل الصهيونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى